الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
414
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وقد يكون بلا سبب ، والوجه فيه أن الأصل في الخلقة مطلقا هو إرادته تعالى كما صرحت به الآية من قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 16 : 40 فالمستفاد من هذه الآية المباركة إرادته تعالى هي الموجبة والسبب الوحيد لخلق الأشياء . والأسباب إنما هي مظاهر لظهور القدرة ، وليست بحيث تحدد القدرة بحيث تنفي تأثيرها في غير الأسباب . فللقدرة الإلهية مراتب في الظهور منها ما يكون بالأسباب ، ومنها ما يكون بغيرها ، على أنّ تحديد قدرته في الأسباب نوع من إسناد العجز إليه تعالى ، تعالى الله عنه وتقدس . وبعبارة أخرى : أنّ ذاته المقدسة بوحدتها سبب وعلة للخلق ، إلا أن مقتضاها لما كانت بحسب الأصل غير محدودة ، وإذا أطلقت في الخلق لاختلّ النظام الخلقي المحدود بالجهات الست ، والجهات الطبيعية والمادية ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يظهر قدرته بالأسباب ، وفي الواقع والحقيقة أن الأسباب المجعولة بقدرته تعالى كالمقيدات لمطلقات القدرة الإلهية حفظا لنظام الوجود ، لا أنها علة تامة لخلقه ، بل العلة هي القدرة بنفسها فقط ، وحينئذ فالأسباب لا تحدد القدرة الإلهية ، فلها أي للقدرة الإلهية أن تؤثر في شيء بدون الأسباب المتداولة في نوع ذلك الشيء ، وهذا إذا اقتضته الحكمة الإلهية ، ويستفاد من الآيات والأحاديث بنحو الوضوح أن الحكمة الإلهية المقتضية لخلق بعض الأشياء كالرجعة مثلا إنما هي دفع ما توهمه المنكرون للبعث والحشر والنشر . قال تعالى : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم . قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم 36 : 78 - 79 ( 1 ) ثم إنه تعالى بيّن بأحسن
--> ( 1 ) يس : 78 و 79 . .